الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
227
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
لَوْ لا للعرض أيضا والتوبيخ والتنديم والتمني على المجاز أو الكناية ، وتقدم عند قوله تعالى : فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ في سورة يونس [ 98 ] . وحق الفعل بعدها أن يكون مضارعا وإنما جاء ماضيا هنا لتأكيد إيقاعه في دعاء الداعي حتى كأنه قد تحقق مثل أَتى أَمْرُ اللَّهِ [ النحل : 1 ] وقرينة ذلك ترتيب فعلي فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ عليه . والمعنى : فيسأل المؤمن ربه سؤالا حثيثا أن يحقق تأخير موته إلى أجل يستدرك فيه ما اشتغل عنه من إنفاق وعمل صالح . ووصف الأجل ب قَرِيبٍ تمهيد لتحصيل الاستجابة بناء على متعارف الناس أن الأمر اليسير أرجى لأن يستجيبه المسؤول فيغلب ذلك على شعورهم حين يسألون اللّه تنساق بذلك نفوسهم إلى ما عرفوا ، ولذلك ورد في الحديث « لا يقولنّ أحدكم : اللهم اغفر لي إن شئت وليعزم المسألة فإنه لا مكره له » . تنبيها على هذا التوهم فالقرآن حكى عن الناس ما هو الغالب على أقوالهم . وانتصب فعل فَأَصَّدَّقَ على إضمار ( أن ) المصدرية إضمارا واجبا في جواب الطلب . وأما قوله : وَأَكُنْ فقد اختلف فيه القراء . فأما الجمهور فقرأوه مجزوما بسكون آخره على اعتباره جوابا للطلب مباشرة لعدم وجود فاء السببية فيه ، واعتبار الواو عاطفة جملة على جملة وليست عاطفة مفردا على مفرد . وذلك لقصد تضمين الكلام معنى الشرط زيادة على معنى التسبب فيغني الجزم عن فعل شرط . فتقديره : إن تؤخرني إلى أجل قريب أكن من الصالحين ، جمعا بين التسبب المفاد بالفاء ، والتعليق الشرطي المفاد بجزم الفعل . وإذا قد كان الفعل الأول هو المؤثر في الفعلين الواقع أحدهما بعد فاء السببية والآخر بعد الواو العاطفة عليه . فقد أفاد الكلام التسبب والتعليق في كلا الفعلين وذلك يرجع إلى محسن الاحتباك . فكأنه قيل : لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصّدّق وأكون من الصالحين . إن تؤخرني إلى أجل قريب أصّدّق وأكن من الصالحين . ومن لطائف هذا الاستعمال أن هذا السائل بعد أن حثّ سؤاله أعقبه بأن الأمر ممكن فقال : إن تؤخرني إلى أجل قريب أصّدق وأكن من الصالحين . وهو من بدائع